صبايات: الفرقة النسائية التي تعيد تعريف الموسيقى اللبنانية

ماريبال طعوم
في عالم تتغير فيه اتجاهات الموسيقى باستمرار، نادرًا ما تتمكن الفرق من جذب قلوب الجمهور كما تفعل “صبايات”. ما بدأ كعرض عفوي في فصل دراسي تحوّل إلى ظاهرة انتشرت بشكل واسع، مما دفع مجموعة من الصديقات الجامعيات إلى الأضواء. اليوم، تُعتبر صبايات فرقة لبنانية نسائية معروفة بنغماتها الجذابة وحبها العميق للموسيقى الشرقية. في مقابلة حصرية، تتحدث غنوى زيدان، إحدى العضوات المؤسِّسات للفرقة، عن كيفية بداية رحلتهن، التحديات التي واجهنها، وطموحاتهن المستقبلية.
فرقة وُلِدت من لحظة انتشار
على عكس العديد من الفرق الموسيقية التي يُخطط لها بعناية، تم تشكيل فرقة “صبايات” بالصدفة. بدأت القصة عندما قررت غنوى وصديقاتها في الجامعة، اللواتي كنّ يدرسن التعليم الموسيقي معًا، نشر فيديو لهن وهنّ يغنين في الفصل الدراسي. لم يتوقعن أن يحقق الفيديو هذا الانتشار الكبير، لكن ردود الفعل كانت مفاجئة، حيث بدأ الناس يطالبون بالمزيد من الفيديوهات، وتوالت الدعوات للمقابلات والعروض. ومع تزايد الاهتمام، قررن تحويل هذا المشروع إلى فرقة رسمية. ما بدأ كلحظة عابرة من الفرح الموسيقي تحوّل إلى شيء أكبر بكثير. تقول غنوى إنه في البداية لم يتوقعن أن يرتبط الناس بهن، لكنهن اكتشفن أن الجمهور لم يتفاعل فقط مع موسيقاهن، بل مع الطاقة والأصالة التي قدمنها.
هوية موسيقية فريدة
كل عضوة في فرقة “صبايات” تحمل أسلوبها الموسيقي الخاص وتوجهاتها الفنية المتنوعة. بالنسبة لـغنوى، فهي تحب الغناء الغربي وأغاني البوب عندما تؤدي منفردة، لكنها ترى أن قوة الفرقة تظهر عندما يجتمعن على تقديم الموسيقى الشرقية، خصوصًا الأغاني اللبنانية الكلاسيكية التي تعتبرها قريبة إلى قلوب جمهورهن. هذا المزيج بين الأساليب الفردية والشغف المشترك بالموسيقى الشرقية منح الفرقة صوتًا فريدًا، يتميز بحداثته ويحمل في الوقت ذاته جذورًا عميقة في التقاليد الموسيقية.
الأداء الحي
بالنسبة لـصبايات، لا شيء يعادل طاقة الجمهور الحي.
“نفضل العروض الحية على التسجيلات في الاستوديو. في حين أن العمل في الاستوديو له مميزاته، نشعر أن أصالتنا واتصالنا بالناس يظهر بشكل أفضل عندما نقدم عروضًا حية. عندها يمكننا أن نكون أنفسنا حقًا.”
كان هناك عرض واحد، على وجه الخصوص، يُعتبر لحظة حاسمة للفرقة، حيث كانت أول حفلة رسمية لهن في “لا فيت دي لا ميوزيك” في الجميزة، إذ جاءت عائلاتهن وصديقاتهن وحتى الغرباء لدعمهن. وكان من المدهش رؤية العديد من الأشخاص هناك لمجرد الاستماع إليهن، وأكدن أن هذه الذكرى سيظللن يعتزن بها دائمًا.
الحواجز والتحديات
على الرغم من أن الفرق النسائية لا تزال نادرة في المشهد الموسيقي اللبناني، إلا أن فرقة “صبايات” حظيت بدعم كبير من جمهورها. تقول غنوى إن الناس انجذبوا في البداية لفكرة الفرقة النسائية بشكل عام، ولكن التحديات الكبرى لم تكن مقاومة المجتمع بل الديناميكيات الداخلية لإدارة مجموعة من عشر عضوات. فبدون وجود قائدة محددة، تصبح عملية اتخاذ القرارات معقدة، حيث يتخذن كل قرار بشكل جماعي، مما قد يستغرق وقتًا طويلًا. حتى اختيار اسم الفرقة استغرق منهن عدة أشهر.
وتضيف غنوى أن تحديًا آخر ظهر بعد التخرج، حيث أصبحت كل عضوة تعيش في منطقة مختلفة من لبنان، مما جعل تنسيق البروفات وتصوير الفيديوهات أكثر صعوبة. ورغم كل هذه التحديات، تؤكد أن حبهن للموسيقى هو ما يدفعهن للاستمرار في هذا المشروع.
أغنية تمثل صبايات
إذا كان هناك أغنية تمثل فرقة “صبايات” حقًا، فهي بلا شك أغنية “كان عنا طاحون” للفنانة العظيمة فيروز. هذه الأغنية كانت أولى الأغاني التي قررت الفرقة نشرها، وكانت بمثابة البداية الفعلية لمسيرتهن الموسيقية. تقول غنوى إنه منذ ذلك الحين، أصبحت هذه الأغنية علامة فارقة في مسيرتهن، حيث يطلبها الجمهور في كل مرة يؤدين فيها على المسارح أو أثناء بث مباشر. وحتى اليوم، لا يزال الطلب عليها مستمرًا، مما يعكس قوة ارتباط الناس بهذه الأغنية المميزة، التي تحمل في طياتها جزءًا من روح الفرقة، وتمثل جوهرها الفني الذي يعبر عن الأصالة والطابع اللبناني الأصيل.
قاعدة جماهيرية متزايدة
منذ نشر أول فيديو لهن، لم تتوقف قاعدة جماهير “صبايات” عن النمو. تقول غنوى: “مر عامان، وما زال الناس متحمسين لسماعنا. الطلب على أدائنا للأغاني لم يخف، بل زاد فقط.” ورغم النجاح الذي حققته الفرقة، إلا أن طموحاتهن لا تتوقف هنا. فالفرقة تعمل حاليًا على موسيقى أصلية، بعدما اشتهرن بتغطية الأغاني. لكنهن يسعين جاهدات للحفاظ على جوهر ما يحبه جمهورهن، وفي الوقت نفسه تقديم شيء جديد. كما يطمحن في الأداء على المسارح العالمية، لنقل الموسيقى اللبنانية إلى جمهور أوسع حول العالم.
الموسيقى كأداة للتغيير
بعيدًا عن جانب الترفيه، تؤمن فرقة “صبايات” بقوة الموسيقى في إلهام الآخرين وإحداث التغيير في المجتمع. تؤكد غنوى قائلة: “الموسيقى يمكن أن توحد الناس، تكسر الحواجز، وتثير النقاشات.” هذا الاعتقاد العميق يدفع الفرقة إلى تجسيد هذه الفكرة في أعمالهن الموسيقية. فبدلاً من مجرد تقديم أغانٍ للترفيه، تسعى “صبايات” لأن تكون موسيقاهن مصدر إلهام وإيجابية، حيث يحرصن على البقاء مخلصات لأنفسهن وللرسالة التي يردن إيصالها. كما يستخدمن منصاتهن الإعلامية كأداة لنشر رسائل الأمل والتغيير، ويسعين دائمًا لأن يكنّ جزءًا من حوار موسيقي يحمل تأثيرًا إيجابيًا في المجتمع.
التطلع إلى التعاون
مع وجود عشر مغنيات في الفرقة، يأتي التعاون بشكل طبيعي بالنسبة لـ“صبايات”. تؤكد غنوى أن الفرقة دائمًا منفتحة على فكرة التعاون مع فنانات وفنانين آخرين، سواء كنّ موسيقيات معروفات أو حتى مواهب جديدة. تقول: “نحن منفتحات على التعاون مع فنانين آخرين، بما في ذلك الموسيقيين المعروفين. بما أن معظمنا مغنيات، فإن التعاون مع العازفين والملحنين قد يضيف أبعادًا جديدة لموسيقانا.” هذا الانفتاح على التعاون يتيح لهن الفرصة لاستكشاف أفكار موسيقية جديدة ويعزز من تنوعهن الفني، مما يضيف نكهة مميزة لأسلوبهن الموسيقي ويمنح جمهورهن تجربة غنائية متنوعة وممتعة.
أكثر من مجرد فرقة—حركة ثقافية
“صبايات” هي أكثر من مجرد مجموعة موسيقية؛ إنها احتفال بالصداقة والشغف وقوة الأصوات النسائية في صناعة الموسيقى. ما بدأ كفيديو بسيط على تيك توك تطور ليصبح حركة ثقافية واسعة، مما أثبت أن الشغف والأصالة والتفاني يمكن أن يحوّل أصغر اللحظات إلى شيء استثنائي. فرقة “صبايات” ليست فقط موسيقى، بل هي رسالة تعكس قوة التعاون النسائي وروح التفاؤل، إذ اجتمعت هؤلاء الفتيات من خلفيات مختلفة ليقدمن موسيقى تحمل في طياتها طاقة وحيوية فريدة. ومع مواهبهن، وعزيمتهن، وحب جمهورهن الثابت، ما زالت رحلة الفرقة في بدايتها فقط، مما يعني أن أمامهن مستقبلًا مشرقًا مليئًا بالتحديات والفرص.
