معاهدة سيفر 1920: الوثيقة التي قسمت الدولة العثمانية، ومهدت لولادة دولة لبنان الكبير
ماهي أهم بنود معاهدة سيفر 1920, وكيف استطاع مصطفى كمال أتاتورك ألغائها في تركيا؟
بقلم: ندا محمد جميل
معاهدة سيفر 1920: الوثيقة التي قسمت الدولة العثمانية، ومهدت لولادة دولة لبنان الكبير.
من قاعة في فرنسا إلى ساحة البرج في بيروت. معاهدة سيفر 1920, وفي العاشر من آب 1920، وفي قصر “سيفر ” الفخم قرب باريس. وَقع ممثلون عن الدولة العثمانية المنهارة، على وثيقة اعتبروها شهادة لنهاية إمبراطوريتهم، معاهدة سيفر 1920.
كانت “معاهدة سيفر” هي الحكم القانوني والدولي، الذي شَرع تقسيم المشرق العربي، ومنح فرنسا وبريطانيا حق رسم الحدود وفرض الإنتداب.

بدايةً، كان يظن البعض أن هذه المعاهدة بعيدة عن لبنان. لكن الحقيقة أن ما كُتب في معاهدة سيفر، هو الذي أعطى الجنرال غورو الشرعية بعد 3 أسابيع فقط، ليقف في ساحة البرج ويعلن”اليوم يولد لبنان الكبير”. ولولا معاهدة سيفر لما وُجد 1 أيلول 1920.
نشأة دولة لبنان الكبير 1920: من رماد المجاعة إلى مرسوم غورو الذي رسم حدودنا
في هذا المقال نتتبع فصول معاهدة سيفر 1920 المنسية، وبنودها الخطيرة، ولماذا رفضها الأتراك، وكيف تحولت إلى الأساس القانوني لقيام لبنان الحديث.
ماهي معاهدة سيفر ولماذا سُميت بهذا الاسم؟
معاهدة سيفر هي واحدة من معاهدات “صلح باريس” التي وَضعت نهاية رسمية للحرب العالمية الأولى. سُميت بسيفر نسبة إلى مدينة ” سيفر sèvres” الفرنسية، حيث تم التوقيع عليها، بين الحلفاء والدولة العثمانية.
كذلك، كان الهدف من هذه المعاهدة واضحاً، معاقبة “رجل أوروبا المريض”، (الدولة العثمانية)، وتوزيع تركتها بين المنتصرين، بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، اليونان، الذين حضروا خلال المعاهدة. بينما مَثل الأتراك حكومة السلطان في إسطنبول التي كانت ضعيفة وتحت الاحتلال.
بالمقابل، معاهدة سيفر لم تدم طويلاِ. فالأتراك رفضوها وحاربوها بقيادة مصطفى أتاتورك. واستبدلوها لاحقاً بمعاهدة “لوزان 1923”. لكن رغم إلغائها، فإن كل مانُفذ منها بين 1920 و 1923 بقي سارياً.
ومن أهم مانفذ: الإنتداب الفرنسي على لبنان وسوريا وفلسطين.https://nadanewslb.com/?p=10565
من هم الحلفاء المنتصرون الذين فرضوا معاهدة سيفر؟
لكي نعلم من وقع على مصير المشرق في قصر سيفر، يجب أن نعرف من هم “دول الحلفاء المنتصرة” في الحرب العالمية الأولى. فالمعاهدة لم تكن قراراً تركياً، بل كانت إملاءً من القوى التي هزمت الدولة العثمانية وألمانيا.
التحالف الرئيسي لمعاهدة سيفر، تَكون من 4 دول كبرى. عُرفت بإسم “المجلس الأعلى للحلفاء”.
1 – بريطانيا العظمى.
من جهة، كانت بريطانيا القوة الأكبر بحراً وإقتصاداً. مَثلها في المفاوضات رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج. كانت تريد السيطرة على العراق، وفلسطين، وقناة السويس، وتأمين طريق الهند. لذلك، أصرت على أن يكون لها “إنتداب” على العراق وفلسطين وشرق الأردن.
2 – فرنسا.
من جهة ثانية، فرنسا كانت الخصم التاريخي، لبريطانيا وشريكها في تقسيم المشرق. وقد مَثلها رئيس الوزراء جورج كليمنصو. أيضاً، كانت تحلم فرنسا منذ الحروب الصليبية بالعودة إلى “ساحل الشام”.
لذلك، أخذت سوريا، ولبنان، كمناطق نفوذ مباشر. وكانت هي التي دفعت بقوة باتجاه إعلان “لبنان الكبير” لضمان وجود دولة مسيحية حليفة لها في المنطقة.
3 – إيطاليا.
رغم أنها كانت دولة صغيرة مقارنةً ببريطانيا وفرنسا، إلا أنها شاركت بالحرب إلى جانب الحلفاء مقابل وعود بأراضٍ في الأناضول. وقد مَثلها رئيس الوزراء فرانشيسكو نيتي. لكنها خرجت من سيفر بأقل المكاسب.
4 – اليونان والولايات المتحدة واليابان.
من جهة، حضرت اليونان بقوة لأن لها مطالب في غرب الأناضول وتراقيا. أما الولايات المتحدة بقيادة الرئيس وودرو ويلسون رفضت التوقيع على سيفر في النهاية بسبب “مبدأ تقرير المصير” الذي نادى به. ومن جهة أخرى، اليابان كانت حليفة للحصول على المستعمرات الألمانية في آسيا والمحيط الهادى.
الخلاصة، القرار لم يكن جماعياً. بريطانيا وفرنسا هما من رسمتا الخريطة. وجلست الدولة العثمانية على الطاولة وهي مهزومة ومحتلة، لذلك، لم يكن أمامها إلا التوقيع أو الإنهيار الكامل. وهذا ما جعل معاهدة سيفر منذ يومها الأول “ميتة”في تركيا، لكنها “نافذة” في بلادنا.
بنود معاهدة سيفر بالمشرق العربي.
احتوى الجزء الثالث من المعاهدة على 60 مادة، تتحدث عن “الأراضي العربية”، أهم البنود:
1 – إلغاء السيادة العثمانية: المادة 27 ألغت سيادة السلطان على كل الأراضي خارج الأناضول. يعني رسمياً إنتهت 400 سنة عثمانية.
2 – الاعتراف بالانتداب: المادة 95 اعترفت بحق الحلفاء بوضع “انتدابات” على الأراضي العربية. وهنا تم ذكر سوريا ولبنان وفلسطين والعراق بالإسم.
3 – حدود لبنان الكبير: لم ترسم المعاهدة الحدود بالتفصيل، لكنها تركت الأمر ل “لجنة الحلفاء” التي كانت فرنسا تسيطر عليها. وهذا ما سمح لاحقاً لفرنسا بضم البقاع، والجنوب، والشمال، وبيروت إلى جبل لبنان.
4 – وعد بلفور: المادة 95 أيضاً ضمنت “وعد بلفور” وأقرت بإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين. وهكذا، تم ربط مصير لبنان وفلسطين.
باختصار، سيفر كانت الضوء الأخضر القانوني لفرنسا، لتفعل ما تشاء، وتتحكم في سوريا ولبنان تحت اسم “الانتداب”.
لماذا رفض الأتراك هذه المعاهدة وقاموا بثورة؟
بدايةً، لم تقبل الحكومة التركية الجديدة في أنقرة بهذه المعاهدة، إعتبروها “إذلال وطني”. بسبب بنودها القاسية. باقتطاع أراضٍ لليونان، وأرمينيا، وكردستان. أيضاً، وضع المضائق تحت الإشراف الدولي، وتقليص الجيش التركي ل 50 ألف جندي.

وبسبب ذلك، قاد مصطفى كمال أتاتورك حرب تحرير، من 1920 إلى 1923 وانتصر. فاضطر الحلفاء لإلغاء سيفر، والتوقيع على “معاهدة لوزان” بشروط أفضل للأتراك.
كيف مهدت معاهدة سيفر لإعلان دولة لبنان الكبير؟.
بعد توقيع سيفر في 10 آب 1920, أصبح لدى فرنسا غطاء قانوني دولي. وبذلك، لم تعد تتصرف كقوة احتلال فقط، بل ك “دولة منتدبة” بقرار دولي.
بعدها ب 22 يوماً فقط، في 1 أيلول 1920, استغل الجنرال هنري غورو هذا الغطاء. وهكذا، أصدر القرار رقم 318، وأعلن قيام”دولة لبنان الكبير” بحدودها الجديدة. ولو لم توقع سيفر، لأعتبر إعلان غورو احتلالاً. لكن بسبب سيفر أصبح “تنفيذاً لإلتزام دولي”.

إضافة إلى ذلك، تعتبر سيفر هي التي شرعت ضم بيروت، والبقاع، والجنوب. لأن وجود “متصرفية جبل لبنان” كان قبلها، لكنها أصبحت “دولة” بعدها ولها مقومات البقاء.
ردود الفعل العربية على المعاهدة.
من جهة، كان الرفض العربي واسعاً. اعتبر السوريون واللبنانيون المعاهدة “مؤامرة” لتقسيم بلاد الشام. لذلك، قامت حكومة الملك فيصل في دمشق، ورفضت الانتداب. مما أدى لحدوث معركة ميسلون بعد إسبوعين من سيفر ودخول غورو إلى دمشق.
من جهة أخرى، كان الموقف في لبنان منقسماً. إذ رحب المسيحيون بالمعاهدة لأنها حققت حلم “لبنان الكبير”. بينما تحفظ المسلمون خوفاً من أن تكون دولة طائفية.
إرث معاهدة سيفر ، هل مازالت تؤثر علينا لغاية اليوم؟
رغم مرور 105 سنوات، إرث سيفر مازال موجوداً:
1 – الحدود: الحدود التي رسمت في طل سيفر هي نفسها حدود لبنان وسوريا والعراق اليوم.
2 – الانتداب: 23 سنة من الانتداب الفرنسي انطلقت من شرعية سيفر.
3 – قضية فلسطين: ربط فلسطين بوعد بلفور تم تثبيته في سيفر.
حتى اليوم يعتبر القوميون العرب المعاهدة “أم النكبات” لأنها شرعنت تقسيم الأمة العربية.
لماذا لا تزال معاهدة سيفر تٌدرس حتى اليوم؟
رغم أن معاهدة سيفر أُلغيت رسمياً بعد 3 سنوات فقط، إلا إنها بقيت أهم وثيقة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط.
السبب الأول: هي أول وثيقة دولية شرعت تقسيم المنطقة. كذلك، كل الحدود التي نعرفها اليوم، بين لبنان وسوريا والعراق وتركيا رُسمت في قصر سيفر.
السبب الثاني: هي الأساس القانوني للإنتداب. فرنسا وبريطانيا لم تكونا ” محتلتن” فقط، بل كانتا “دولتان منتدبتان” بقرار دولي، الذي أعطاهما الشرعية لحكم 23 سنة.
السبب الثالث: سيفر هي التي ربطت مصيرنا بفلسطين. لأن وعد بلفور تثبت رسمياً في المادة 95 من سيفر.
ولذلك، المؤرخون يُسمونها “أم سايكس بيكو”. لأنها حولت الاتفاقات السرية إلى قانون دولي معلن. الأتراك يستطيعون محوها، ولكن نحن مازلنا نعيش بحدودها ونتائجها لليوم.
الخاتمة: الورقة التي أنشأت وطناً.
كانت معاهدة سيفر صفقة بين المنتصرين على أنقاض إمبراطورية. لم يقصد واضعوها بناء لبنان، لكنهم منحوا فرنسا الأدوات لبنائه. أيضاً، لولا توقيع سيفر في 10 آب لما وقف غورو في 1 أيلول. ولولا بنودها الغامضة والقاسية، لما ضمت فرنسا البقاع والجنوب.
لذلك، أعتبرها البعض معاهدة ملعونة، ولكنها مباركة عند الآخرين. لكنها تبقى الحلقة المفقودة بين سقوط العثمانيين، وولادة لبنان الكبير.
المصادر: [كتاب تاريخ لبنان_ فيليب حتي]
المصدر: ويكيبيديا.
القراءة 7 دقائق
**961 نيوز nada news**
19/7/2026