مجاعة 1915 في جبل لبنان: سنوات من التجويع في لبنان
مجاعة 1915_1918 في جبل لبنان: سنوات من الموت جوعاً. ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه المجاعة الكبرى؟
بقلم: رئيسة التحرير ندا محمد جميل
مجاعة 1915 في جبل لبنان.
في سنة 1915 لم يمت اللبنانيون بالرصاص. ماتوا بالجوع. في الوقت الذي كان فيه العالم يحترق بنار الحرب العالمية الأولى، كان جبل لبنان يحترق بنار الجوع والحصار.
وبسبب، مجاعة 1915 في جبل لبنان التي إمتدت إلى سنوات. تحول هذا البلد الصغير إلى مقبرة مفتوحة. كما، تشير أغلب التقديرات التاريخية إلى وفاة مابين 100 ألف إلى 150 ألف لبناني.
أي ما يقارب ثلث سكان جبل لبنان آنذاك، ليس بفعل المعارك، بل بفعل سياسة تجويع ممنهجة وحصار خانق. هذه ليست أرقاماً عشوائية، بل هي ذاكرة شعب. هذه مجاعة 1915, المجاعة الكبرى. حسب مصادر: فيليب حتي.
جمال باشا والأحكام العُرفية.
صورة من الإرشيف الخاص لإبراهيم كنعان نعوم.
في 1915 عين العثمانيون القائد العسكري أحمد جمال باشا حاكماً عاماً عسكرياً على لبنان وسوريا. فرض الأحكام العرفية على جبل لبنان. كذلك، منع التجارة، وصادر القمح والمحاصيل من المزارعين، لإطعام الجيش العثماني.
إضافة إلى ذلك، ألغى الصحف، وصادر الحريات، أَقفل مرفأ بيروت بوجه السفن، التي كانت تجلب القمح من مصر وأمريكا. كان هدفه الأساسي تمويل “المجهود الحربي” للعثمانيين، حتى لو كان على حساب تجويع كل السكان.
أيضاً، نصب المشنقة بساحة البرج لقتل الجائعين الأبرياء، الذين كانوا يحاولون الحصول على فتات الخبز لأولادهم، فكان مصيرهم الشنق. حكم بقبضة من حديد.
وهكذا، لم يكن جمال باشا يحارب جيوش، بل كان يحارب شعب أعزل وجائع. ولذلك، أطلق اللبنانيون عليه لقب “السفاح”. وحقيقةً، لم يأتي هذا اللقب من فراغ، بل إستحق لقب جمال باشا السفاح.
مثلث الموت: الحصار والجراد والمغادرة.
لم تأتي مجاعة 1915 صدفة، إجتمعت 3 كوارث في وقت واحد:
1 – الحصار البحري: في 1915 فرضت بريطانيا وفرنسا حصاراً بحرياً على سواحل بلاد الشام. توقفت بوادر القمح من مصر والبحر الأسود.
2 – غزوة الجراد: في ربيع 1915 إجتاحت أسراب من الجراد جبل لبنان والبقاع والجليل. التهمت المحاصيل الزراعية بالكامل خلال أسابيع.
3 – المصادرة العثمانية: أصدر جمال باشا أوامر بمصادرة كل الحبوب والمواشي المتبقية “لإطعام الجيش العثماني”. أُغلقت الأسواق وجُوعت القرى.
مجاعة 1915_1918 سنوات من الجحيم عاشها اللبنانيون.
نفد الطعام. فباع الناس أراضيهم ومجوهراتهم برغيف خبز. وبسبب هذه المجاعة، أكل الناس أوراق الشجر، وجلود الحيوانات، وأعشاب الجبال. وبحسب شهادات معاصرة، وصل الأمر لأكل القطط والكلاب.
دور مصر والشتات في الإنقاذ خلال مجاعة 1915.
بداية، لعبت المؤسسات الدينية دوراً كبيراً. فتحت الكنائس المارونية والأديرة والمساجد أبوابها لإطعام الناس. كما قدمت بعثة الهلال الأحمر الأمريكية المساعدة، أنقذت آلاف الأرواح.
ورغم الحصار، نجح بعض التجار اللبنانيين في مصر والإسكندرية، بإرسال مساعدات سراً عبر مراكب صغيرة. كما قام الأمير بشير الشهابي الثاني سابقاً بزرع شجر التوت، فأنقذ الكثيرين بأكل ورقه لإسكات جوعهم.
أيضاً، وفي المهجر، أسس اللبنانيون في البرازيل والأرجنتين “لجان إغاثة”. فجمعوا تبرعات أُرسلت عبر السفن المحايدة. لكن الكميات كانت قليلة أمام حجم الكارثة.
6 آيار 1916: المشنقة في ساحة الشهداء.
من جهة، لم يكتفِ جمال باشا بالتجويع. بل أراد إسكات المعارضة. وفي 6 آيار 1916, أعدم جمال باشا 14 لبنانياً وسورياً في ساحة البرج في بيروت، و7 آخرين في ساحة المرجة في دمشق. بتهمة “التخابر مع الحلفاء”.
بالمقابل، يذكر من بين الشهداء عبد الكريم الخليل، عمر حمدون، بترو طراد، ومن يومها عُرفت الساحة ب “ساحة الشهداء”.
الوضع الإقتصادي والعملة.
وبسبب إنهيار الإقتصاد بالكامل. ألغى العثمانيون التعامل بالليرة العثمانية الذهبية. وفرضوا “الورق المالي” الذي فقد قيمته خلال أشهر. بحيث، إرتفع سعر صاع القمح من 3 قروش إلى 40 قرش.
وكذلك، أُغلقت المدارس والجامعة الأمريكية. وتحولت بيوت الأغنياء إلى مطابخ لإطعام الفقراء، بينما كان البعض يموتون على أبوابها.
نهاية مجاعة 1915_1918، وتداعياتها.
وختاماً، إنتهت المجاعة رسمياً في 30 تشرين الأول 1918 مع توقيع هدنة مودروس. دخل الجنرال اللنبي وبدأت تصل بواخر الإغاثة الأمريكية.
من نتائج مجاعة 1915.
أولاً، كارثة ديموغرافية: فقد الجبل ثلث سكانه. بعض القرى اختفت بالكامل.
ثانياً، قطع نهائي مع العثمانيين: تحول كره الحكم العثماني إلى عقيدة عند اللبنانيين حينها.
ثالثاً، أزمة ثقة بالدولة المركزية: أظهرت مجاعة 1915 عجز السلطة العثمانية عن حماية رعاياها، وتأمين أبسط مقومات الحياة
رابعاً، موجة هجرة كبرى: هاجر أكثر من 300 ألف لبناني بين 1918_1925، إلى الأمريكتيين وأفريقيا. وهي الأساس للجاليات اللبنانية اليوم.
خامساً، تمهيد لإنشاء دولة لبنان الكبير: أُنهك الشعب اللبناني من المجاعة الكبرى التي إجتاحت لبنان. التي كانت أكثر فتكاً باللبنانيين.رحب اللبنانيون بمشروع الإنتداب الفرنسي، كحل يوفر الإستقرار والحماية الدولية.
الانتداب الفرنسي على لبنان 1920_1943: من وعد المساعدة إلى سجن راشيا.
وبسبب، مجاعة 1915 والإنتداب الفرنسي، الذي عانى اللبنانيون من تداعياتهما، بحث اللبنانيون عن حلٍ يفضي باستقرار أمني وإقتصادي.
بالإضافة إلى، كل هذه المراحل الأساسية التي عاشها الشعب اللبناني في وطنه. كل هذه الأسباب مهدت وساهمت في نشأة دولة لبنان الكبير.
في الختام: رغم موت آلاف اللبنانيين من الجوع والظلم. لكن من بقي قرر أن يحيا، رغم الموت الذي لم يترك بيت في جبل لبنان إلا وأخذ منه الأعزاء من الأطفال، والنساء، والشيوخ،حتى شبابها.
لذلك، وبعد أقل من سنتين، في 1 أيلول 1920. أعلن الجنرال هنري غورو من قصر الصنائع في بيروت، قيام “دولة لبنان الكبير” .
وهكذا، كانت المجاعة نهاية عهد مظلم، وبداية فصل جديد. تابع معنا في المقال القادم: قصة إعلان دولة لبنان الكبير 1920. وكيف رُسمت حدودنا الحالية.
المصدر: فيليب حتي _ “تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين”.
المصدر: مذكرات البطريرك عريضة”1919
**961 نيوز nada news**
القراءة 6 دقائق
12/7/2026