أخبار لبنان 🇱🇧

مجزرة جبل لبنان 1860، الأسباب والإرث الذي أنشأ المتصرفية

ماهي أسباب مجزرة 1860 في جبل لبنان، وكيف انتهت؟

بقلم: رئيسة التحرير ندا محمد جميل

تم تحديث المقال في 10/7/2026. تمت إضافة فقرات عن الوضع الإقتصادي لمجزرة جبل لبنان 1860, ولجنة التحقيق الدولية.

قرية جبلية في لبنان عام 1860 قبل المجازرمجزرة جبل لبنان 1860.

مجزرة جبل لبنان 1860. لم تحترق قرى جبل لبنان وحدها. بل إحترقت معها فكرة ” الوطن العثماني الواحد”.

في الواقع، كانت “مجزرة 1860” ليست حادثة طائفية عابرة. وإنما كانت زلزالاً سياسياً، واجتماعياً ودولياً.

بعبارةٍ أخرى، كَشفت ضعف الدولة العثمانية، وفضحت أطماع أوروبا. بالإضافة إلى أنها فجرت صراعاً بين الإقطاعيين والفلاحين.

ونتيجةً لذلك، من رماد تقريباً 11 ألف ل 25 ألف  قتيل في القرى، والبلدات بكل بلاد الشام، ليس فقط في  لبنان.

وذلك،  بحسب تقارير القنصلية الفرنسية والبريطانية. وهكذا، وُلد أول كيان لبناني منظم: “متصرفية جبل لبنان“.

متصرفية جبل لبنان 1861_1915: شروط أوروبا، ووجع وطن…

 الأسباب الجذرية لمجزرة جبل لبنان 1860.

 

مجزرة جبل لبنان

 

أولاً، ضعف الدولة العثمانية “الرجل المريض”.

في البداية، بعد خروج محمد علي باشا من الشام 1840. عاد العثمانيون لكن بدون سلطة فعلية.

علاوة على ذلك، كانوا مشغولين بديونهم وبضغوط أوروبا عليهم.

لذلك، تركوا الحكم للمشايخ الإقطاعيين في جبل لبنان.

ونتيجة لذلك، غاب القانون وحضر السلاح العشائري.

ثانياً، الإنهيار الإقتصادي: البارود قبل الشرارة.

لم تكن الطائفية وحدها سبب المجزرة. فقبل مجزرة  1860 بعامين، ضرب جبل لبنان انهيار إقتصادي غير مسبوق. وبسبب، تراجع الطلب الأوروبي على الحرير اللبناني. تراجع سعر القنطار من 60 ليرة إلى 18 ليرة فقط.

وبذلك، غرق آلاف الفلاحين الموارنة بالديون للمرابين والإقطاعيين. وفي الوقت نفسه، أغرقت البضائع الأوروبية الرخيصة الأسواق اللبنانية، بعد معاهدة 1838 التجارية.

وهكذا، توقفت مئات الحرف اليدوية. وبسبب، هذا الخراب الاقتصادي خلق أرضية خصبة للغضب. فبدأت تظهر بوادر مجاعة، فحينها جاع الناس، فبحثوا عن كبش فداء، فوجدوه في “الآخر الطائفي”.

ثالثاً، ثورة الفلاحين وإنهيار نظام الإقطاع.

من ناحيةٍ أخرى، بين 1858_1860 قاد المعلم “طنوس شاهين” في كسروان “ثورة الفلاحين الموارنة“.كان الهدف المطالبة بالأرض ورفض دفع الإتاوات.

وبالفعل نجحت الثورة وأسقطت إقطاع آل الخازن. في المقابل، إنتقل هذا الخوف للزعماء الإقطاعيين الدروز في الشوف. وعليه، بدأوا بتسليح العشائر استباقاً.

رابعاً،  سباق التسلح الجبل يستعد للحرب.

بين 1858_1860 تحول جبل لبنان إلى مخزن بارود. من جهة، في الشوف، جمعت مشيخات آل جنبلاط وآل أرسلان السلاح من الأسواق.

ومن جهة أخرى، وفي كسروان، شكلت الكنيسة المارونية “لجان حماية” سرية لحراسة القرى. وبسبب، ضعف وإفلاس الدولة العثمانية بعد حرب القرم، وعدم قدرتها على فرض هيبتها. إستغلت القنصليات الأوروبية هذا الفراغ.

وبذلك، دعم القنصل الفرنسي الموارنة، والقنصل البريطاني مال للدروز. وهكذا، تحولت كل مشاجرة صغيرة في السوق إلى قضية كرامة طائفية، تنتظر شرارة صغيرة لتنفجر.

خامساً، التدويل والتدخل الأوروبي.

أخيراً، كانت أوروبا تتصارع على تركة العثمانيين. على سبيل المثال، فرنسا أعلنت حماية الموارنة. بينما بريطانيا دعمت الدروز.

بالتالي، تحولت الهوية من ” لبناني” إلى “موارنة تحت حماية فرنسا”. باختصار، أصبح الوطن ساحة حرب بالوكالة.

 الفتيل المباشر لمجزرة جبل لبنان 1860, من شجار ولدين إلى حرب.

كل الحرائق تبدأ بشرارة كالحروب. تحديداً، في آيار 1860. وقع شجار في بيت مري بين ولد ماروني وولد درزي.

بعد ذلك، تدخلت العائلات وتطور الشجار إلى قتل ودم. مباشرةً، إستغل زعماء الطوائف الحادث.

وفي 30 آيار إندلعت الهجمات في الشوف وعالية وزحلة. خلال أسبوع فقط تحولت الاشتباكات إلى حرب إبادية بين اللبنانيين فيما بينهم.

دمشق تحترق، 3 أيام من الجحيم في مجزرة 1860.

لم تقتصر المجازر على جبل لبنان. ففي 9 تموز 1860، انتقل فتيل النار إلى دمشق. وخلال 72 ساعة. أُحرقت عدة حارات وقتل المئات ونهبت المنازل.

وهنا ظهر دور تاريخي للقائد الجزائري “عبد القادر الجزائري” الذي فتح بيته وبيوت أتباعه لإستقبال أكثر من 15 ألف مسيحي منقذاً آلاف الأرواح.

كذلك، وقف بسلاحه على باب داره وقال: “من أرادهم فليمر من فوق جثتي”.  برز  اسم عبد القادر الجزائري، وأصبح رمزاً للإنسانية، بعد نفيه إلى دمشق.

كان يقيم في حي الصالحية عندما أندلعت أعمال القتل في تموز 1860. لم يتردد لحظة، فتح أبواب بيته وبيوت أتباعه لإستقبال العائلات المسيحية الهاربة.

يقول شهود عيان، أنه شخصياً كان يقف على الباب ويستقبل الفارين ويوزع عليهم الطعام والملابس والمال. لم يكتفِ بذلك، بل أرسل فرسانه لحماية الأحياء المسيحية وتصدى للمهاجمين

بفضل موقفه أنقذ الآلاف من المسيحيين من الذبح المؤكد. عندما سألوه لماذا يخاطر بنفسه أجاب: “الإنسانية فوق الدين والمذهب”.ولذلك، كافأته فرنسا لاحقاً بوسام الشرف.

كذلك، كتبت الصحف الأوروبية عن “فارس الصحراء الذي أنقذ المسيحيين”. موقف الأمير عبد القادر الجزائري، أثبت أن الأزمة لم تكن صراع أديان، بل كانت صراع مصالح، سيطر عليه السياسيون بينما رفضه الشرفاء.

ولولا هذا الموقف، لكانت حصيلة القتلى في دمشق وحدها أضعاف ما كانت عليه. وقد وثقت القنصلية الأمريكية هذه الأحداث بالتفصيل.

 أهم تواريخ مجزرة 1860.

في آيار 1860: بداية الاشتباكات في بيت مري وعالية والشوف.

من1_3 حزيران 1860: مجازر في زحلة، إحراق وتدمير.

في 9 حزيران 1860: دخول الجيش العثماني بقيادة أحمد باشا إلى دمشق، بهدف حماية المسيحيين. لكنه تواطأ, وترك أحياء دمشق تحترق لمدة 3 أيام.

النتيجة النهائية: مقتل أكثر من 11 ألف  مسيحي. بالإضافة إلى تدمير 560 قرية في قرى وبلدات في لبنان ودمشق. ونزوح 100 ألف. وذلك، بحسب مصادر القنصلية الفرنسية والبريطانية.

كذلك، دُمرت 60 قرية في محيط بيروت في 3 أيام، من 29 إلى 31 آيار 1860.

بعد ذلك، هزت أخبار المجازر أوروبا. لذلك، ضغطت فرنسا وأرسلت الحملة الفرنسية في آب 1860 إلى بيروت.

نتيجة لذلك الضغط، اضطرت الدولة العثمانية للتوقيع على:

1 – بروتوكول 3 أيلول 1860: بتشكيل لجنة دولية للتحقيق.

2 – النظام  الأساسي 9 حزيران 1861: إنشاء “متصرفية جبل لبنان 1861”.

القوى الست والجنرال بوفور.

أمام هول المجازر، لم يعد بمقدور الدولة العثمانية التستر. فتدخلت الدول الأوروبية الست: فرنسا، بريطانيا, روسيا، النمسا، بروسيا والدولة العثمانية.

أيضاً، وفي آب 1860، رست في بيروت البوارج الفرنسية وعلى متنها 6000 جندي بقيادة الجنرال شارل دو بوفور. لم يأتوا للقتال، بل لفرض “النظام”.

وكذلك، أَجبرت اللجنة الدولية السلطان العثماني على إعدام بعض المتورطين وتعويض الضحايا. لكن الأهم كان القرار السياسي: إلغاء نظام القائمقاميتين والبحث عن نظام جديد يحكم الجبل.

ماهو إرث مجزرة 1860 على لبنان اليوم.

 

من جهة، إرث التدويل: من 1860 لليوم، كل أزمة تٌحل بلجنة دولية.

ومن جهة أخرى، إرث الطائفية السياسية: تحولت الطوائف إلى أحزاب محمية دولياً.

وأيضاً، إرث المتصرفية: 54 سنة استقرار. ولكن كان استقراراً مشروطاً بموافقة الخارج.

من المتصرفية إلى دولة لبنان الكبير.

لم تذهب دماء مجزرة 1860 سدى. فبعد سنة واحدة، وفي 1861، فرضت الدول الأوروبية على العثمانيين “نظام المتصرفية”.

ولأول مرة في تاريخ لبنان والمنطقة، حكم جبل لبنان متصرف مسيحي عثماني، بمساعدة مجلس إداري من الطوائف.

استمر هذا النظام 54 عاماً من الاستقرار النسبي. استطاع لبنان أن يصمد حتى عام 1920، حين أعلن الجنرال هنري غورو “دولة لبنان الكبير“.

بمعنى آخر، كانت مجزرة 1860 بمثابة المخاض المؤلم الذي ولد الكيان اللبناني الحديث.

لم يكن الصراع في جبل لبنان عام 1860 محلياً بحتاً. بل كان مسرحاً  لتدخل دولي واضح لعبت فيه القناصل الأجنبية دوراِ خطيراً في تأجيج الفتنة.

كذلك، إستغلت كل من فرنسا وبريطانيا التوترات الطائفية والاجتماعية لخدمة مصالحها في المنطقة. كانت فرنسا ترى نفسها الحامية التقليدية للمسيحيين الموارنة في لبنان. فأرسلت ضباطاً وأموالاً ودعماً سياسياً. بينما دعمت بريطانيا الدروز من خلال نفوذها في مصر واليمن.

وبذلك، تحولت بيروت ودمشق إلى ساحة صراع دبلوماسية حيث كان كل قنصل يحاول كسب ولاء زعيم محلي أو شيخ عشيرة. هذا السباق أدى إلى تسليح الطرفين وزيادة الاحتقان.

في ذلك الوقت، أكدت  التقارير الدبلوماسية، أن القناصل كانوا يرسلون تقارير مبالغ فيها إلى عواصمهم، عن “إضطهاد” طائفتهم،  مما دفع الحكومات الأوروبية للضغط أكثر.

بدلاً من تهدئة الأوضاع، أصبح وجودهم سبباً مباشراً في توسيع دائرة العنف. وتحويل نزاع محلي إلى قضية دولية استدعت تدخل الجيوش.

تعتبر مجزرة جبل لبنان 1860،  فتنة طائفية كبرى، بين المسلمين والمسيحيين عامةً. وبين الموارنة والدروز خاصةً.

وهكذا، طالت دمشق، سهل البقاع، جبل لبنان، جبل عامل، وزحلة، بيت مري.

كما إنها، كانت سبباً أساسياً ساهم في  إنشاء نظام المتصرفية، في عهد التنظيمات الإدارية. التي بدأها السلطان عبد المجيد الأول.

الذي كان يحاول إنتشال الدولة العثمانية من ضعفها، ومساعدتها بحل مشاكلها الداخلية، وضغوط أوروبا.

مجزرة 1860, إستغلتها الدول الأوروبية لتحقيق مصالحها الإقتصادية، والأيدولوجية في لبنان وسوريا.

برأيك، هل مازلنا لغاية اليوم ندفع ثمن التدخل الخارجي الذي بدأ بمجزرة 1860؟

المصدر: الموقع الرسمي للجمهورية اللبنانية.

**961 نيوز nada news**

قراءة 5 دقائق.

7/7/2026

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى