أخبار لبنان 🇱🇧

نشأة دولة لبنان الكبير 1920: من رماد المجاعة إلى مرسوم غورو الذي رسم حدودنا

كيف أُنشأت دولة لبنان الكبير 1920, وماذا كان دور غورو، والبطريرك الياس الحويك؟

بقلم: رئيسة التحرير ندا محمد جميل.

نشأة دولة لبنان الكبير 1920.

 

البطريرك الياس الحويك وخريطة إعلان دولة لبنان الكبير
البطريرك الياس الحويك وخريطة إعلان دولة لبنان الكبير 1920

نشأة دولة لبنان الكبير 1920. في صباح 1 أيلول من العام 1920، وقف الجنرال الفرنسي على شرفة قصر الصنوبر في بيروت. كان المشهد مهيباً، أعلام فرنسا ترف، ووجهاء جبل لبنان، والساحل، والبقاع، والجنوب، والشمال مجتمعون بالقصر. وإذ بالجنرال هنري غورو يرفع صوته معلناً: “اليوم يولد لبنان الكبير”

بتلك الجملة إنتهت ستون سنة من حكم المتصرفية، وبدأت قصة الدولة التي نعيشها حتى اليوم بحدودها الحالية. وهكذا، تمت ولادة دولة لبنان الكبير. لكن هذا المرسوم لم يهبط من السماء. بل كان نتيجة سلسلة من دماء، ومجاعات، ووعود ومفاوضات بدأت قبل 60 عاماً.

من مجزرة 1860، عندما ضاق جبل لبنان بأهله, وولادة لبنان الكبير.

قبل أن نتحدث عن 1920 يجب أن نعود إلى 1860، في تلك السنة إشتعلت الحرب بين الدروز والمسيحيين، “مجزرة جبل لبنان“.

مجزرة جبل لبنان 1860، الأسباب والإرث الذي أنشأ المتصرفية

بحيث، قتل الآلاف وأُحرقت القرى. عند ذلك، تدخلت الدول الأوروبية، وفرضت على “الدولة العثمانية” إنشاء “متصرفية جبل لبنان“.

متصرفية جبل لبنان 1861_1915: شروط أوروبا، ووجع وطن…

وهكذا، كانت المتصرفية حلاً مؤقتاً. دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 3500 كم²، عاصمتها دير القمر ثم بعبدا. يحكمها متصرف عثماني مسيحي من خارج لبنان. نجحت المتصرفية في حفظ السلم الأهلي لعقود، لكن لديه عيب وعائق  قاتل، الجبل وحده لا يكفي، لصغر مساحته كدولة.

إضافة إلى ذلك، كان لا يوجد مرفأ بحري، ولا سهل زراعي، ولا ساحل، كل شيء كان يأتي من بيروت، وطرابلس، البقاع. وعندما قُطعت هذه الشرايين، إنهار الجبل.

مجاعة 1915، الدرس الدموي الذي علمنا معنى دولة لبنان الكبير.

جاءت الحرب العالمية الأولى عام 1914. وجاء معها حكم جمال باشا، حاكم الشام، الذي فرض حصاراً بحرياً، وبرياً على جبل لبنان. وأيضاً، منع دخول القمح من سهول حوران والبقاع وصادر كل المحاصيل.

نتيجة المجاعة الكبرى قبل إعلان دولة لبنان الكبير.

ضَربت لبنان مجاعة كبرى ، مات أكثر من 100 ألف لبناني من الجوع والأمراض بسبب سوء التغذية وعدم الحصول على الغذاء الكافي، لكل  أهالي الجبل. وبسبب عدم توفر الموارد الغذائية والحصول على الطعام ، أضطر الناس بأن يطبخوا ورق الشجر ويأكلونه، كما أكلوا جلود الحيوانات سداً لجوعهم.

بالمقابل، فتحت الأديرة والمساجد وكل دور العبادة أبوابها لتأمين الغذاء للمحتاجين والفقراء والجــِياع. تسببت مجاعة 1915. المجاعة الكبرى بموت الكبار والصغار في جبل لبنان.

مجاعة 1915 في جبل لبنان: سنوات من التجويع في لبنان

كذلك، كان للبطريرك الماروني إلياس الحويك دور كبير في نشأة دولة لبنان الكبير، كان يرسل البرقيات إلى العالم يصرخ وينادي بإعلان لبنان دولة مستقلة.

هنا، فهمت النُخب اللبنانية درساً لن تنساه، كيان بحجم جبل لبنان لا يمكن أن يصمد.  وإذا أردنا البقاء ما علينا سوى أن نضم الساحل، والسهل، والمرفأ.

باريس 1919، البطريرك الحويك يرسم خريطة  دولة لبنان الكبير 1920.

 

نشأة دولة لبنان الكبير 1920 البطريرك الياس الحويك مهندس إعلان دولة لبنان الكبير
البطريرك الماروني الياس الحويك مهندسة إعلان دولة لبنان الكبير

عندما إنتهت الحرب العالمية الأولى، عُقد مؤتمر الصلح في باريس. سافر البطريرك الماروني الياس الحويك إلى فرنسا على رأس وفد لبناني. كان مطلبه واضحاً ومكتوباً. إعلان دولة مستقلة بحدود تاريخية تشمل بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وعكار.

من جهة، رحب الفرنسيون بالفكرة، لأنهم كانوا يريدون موطىء قدم لهم في الشرق، بموجب إتفاقية سايكس بيكو. ومن جهة أخرى، انسحب البريطانيون من الساحل وسلموه لفرنسا في تشرين الأول 1919.

ماذا كان مشروع الأمير فيصل, قبل الإنتداب الفرنسي.

في المقابل، كان هناك مشروع آخر. كان الأمير فيصل يريد ” سوريا الكبرى” تشمل لبنان. لكن معركة ميسلون في 24 تموز 1920 حسمت الأمر. حينها، دخل الفرنسيون دمشق وانتهى حكم الأمير فيصل.

وبعد شهر من دخول الفرنسيين دمشق، أصدر المفوض السامي الجنرال هنري غورو المرسوم رقم 299 بتاريخ 31 آب 1920. ونفذه علناً في اليوم التالي.

كذلك، كان نص المرسوم واضحاً.” تنشأ دولة لبنان الكبير، وتضم بالإضافة إلى متصرفية جبل لبنان، قضاء بيروت، اللاذقية، وصيدا، وصور، ومرجعيون، وبعلبك، والبقاع، وطرابلس، وعكار”.

وهكذا، قفزت مساحة لبنان من 3500 كم² إلى 10452 كم² أي ثلاثة أضعاف. وانضم مرفأ طرابلس، وانضمت سهول البقاع التي تطعم الجبل، كما إنضم جنوب لبنان بساحله. ولذلك، سمي ” بلبنان الكبير”، لأنه أصبح أكبر  بثلاث  مرات من سابقه. ولأنه أصبح كياناً قادراً على الحياة.

من حكم المتصرفية إلى حكم دولة لبنان الكبير.

 

كان الفرق جذرياٍ بين 1861_1920. ففي المتصرفية كان الحاكم متصرفاً عثمانياً مع مجلس إداري. أما في دولة لبنان الكبير أصبح المفوض السامي الفرنسي هو الحاكم الفعلي الذي يتخذ القرارات وينفذها، دون الرجوع  إلى الحكومة اللبنانية. عُين شارل دباس، أول رئيس للدولة عام 1920.  وكان أوغست أديب  باشا، أول رئيس وزراء. كما،  شارك في الحكم مسيحيون ومسلمون ودروز. أيضاً، مَثل الدروز الأمير ماجد أرسلان. كما، مَثل السنة محمد الجسر من طرابلس.

وفي عام 1926 أُقر أول دستور لبناني. فتحولت  “الدولة” إلى “الجمهورية  اللبنانية”. ويعتبر هذا الدستور أبو دستور 1926 الذي نعتمده حتى اليوم.

الترحيب والرفض، ولادة لبنان الكبير 1920, لم تكن بالإجماع.

لم يصفق الجميع، رحب الموارنة والكاثوليك وتجار بيروت، لأنهم أصبحوا أصحاب دولة ومرفق وحدود…

أما الرافضون، فكانوا كثيرين، القوميون العرب في طرابلس والبقاع. إعتبروها تمزيقاً  لسوريا  الطبيعية. كما أنه، فضل بعض زعماء الجنوب والبقاع الشيعة الإنضمام إلى سوريا. أما الأمير فيصل إعتبرها طعنة لوعود الاستقلال العربي. فخرجت مظاهرات في طرابلس وبعلبك مناهضة لقرارات فرنسا التي فرضت الأمر الواقع من خلال جيشها أي بالقوة.

من دولة لبنان الكبير 1920, إلى الاستقلال 1943، طريق طويل.

المهم أن نعلم يقيناً، أن دولة لبنان الكبير لم تكن مستقلة. بل كانت “دولة تحت الإنتداب” بقرار من عصبة الأمم. مرت 23 سنة. كما جرى آخر إحصاء 1932 للسكان. وفي 1943  وَقع الزعماء على الميثاق الوطني.

أيضاً، في عام 1946  تم الجلاء، بخروج آخر جندي فرنسي من لبنان،  على متن باخرة إلى فرنسا. حينها فقط اكتملت دائرة الميلاد. من مجزرة 1860 إلى متصرفية 1861. ومن مجاعة 1915  إلى مرسوم 1920. ومن انتداب 1920 إلى استقلال لبنان  1943.

ختاماً، هل لبنان الكبير سيبقى كبير في ظل ما نشهده من أحداث، وأزمات. وحروب، وإنتهاكات للأراضي اللبنانية من قبل الإسرائيلين في ظل الظروف  الراهنة؟ أم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، الجارية في واشنطن خلال هذه الفترة، ستكبح  طمع إسرائيل بلبناننا؟.

وهل لبنان الكبير كان قدراً أم خياراً؟ وبعد 105 عاما مازال السؤال مفتوحاً. يقول المؤيدون: لولا لبنان الكبير لما كان لبنان موجوداً. كذلك،  لا إقتصاد، لا جامعات، ولا موانىء ولا حياة.

بالمقابل، يقول المعارضون: التوسيع السريع أدخل تنوعاً ديموغرافياً وطائفياً دفعنا ثمنه لاحقاً. لكن الثابت أنه في يوم من أيام أيلول، قرر رجل فرنسي هنري غورو ورجل دين لبناني البطريرك الماروني الياس الحويك،  أن يرسموا على الخريطة وطناً جديداً،  لبنان الكبير.

فمن رماد مجزرة 1860, ومن جث مجاعة 1919, ومن ظل إنتداب فرنسي، وُلدت دولة لبنان الكبير. من جبل محاصر…إلى وطن على البحر.

المصادر: وثائق وزارة الخارجية الفرنسية.

مذكرات البطريرك الياس الحويك.

مرسوم الجنرال هنري غورو 299.

**961 نيوز nada news**

قراءة 6 دقائق.

15/7/2026

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى